الكلدان و الانتخابات العراقية 

26 شباط 2005     اصدر المجلس القومي الكلداني البيان التالي

تعد الانتخابات العراقية بعد سقوط النظام البعثي مرحلة تحول جذرية في الخارطة السياسية العراقية وذا ابعاد وتأثيرات عميقة على شكل النظام السياسي في العراق وطبيعة العلاقة ما بين المكونات القومية والدينية للشعب العراقي إضافة إلى تحديد طبيعة العلاقة بين الفرد والمجتمع وكذلك نوعية الحريات الفردية وحقوق وواجبات الإنسان العراقي بشكل عام التي سيحددها الدستور الجديد الذي سيكتب ويشرع من قبل الافراد الذين تم انتخابهم قبل طرحه على الشارع العراقي من اجل التصويت عليه ليصبح بذلك الدستور الدائم للدولة العراقية الجديدة وهنا تكمن خطورة تلك الانتخابات على مستقبل شعبنا الكلداني في العراق من حيث حجم تأثير التيارات السياسية  والايدلوجيات التي فازت في تلك الانتخابات

إن أية  نظرة موضوعية على طريقة تعاطي الكلدان وبقية المسيحيين مع  تلك الانتخابات ستؤدي من دون محالة إلى الاستنتاج السريع عن فشل مؤسساتهم السياسية للارتفاع بمستوى المسؤولية  أو حتى استيعاب أهمية هذه المرحلة التاريخية التي يمر بها جميع العراقيين

إن حصول المسيحيين على 5 مقاعد فقط  في الجمعية الوطنية العراقية من أصل 275  مقعد لهو دليل صارخ على الخلل الكبير الذي يعاني منه الجسد السياسي الكلداني وعدم قدرته على زج طاقات شعبه في العملية السياسية الراهنة في العراق وبالتالي فإن الحقوق القومية والسياسية للكلدان في الدستور العراقي القادم ستكون مرهونة بمقدار تجاوب التيارات السياسية الفائزة بالانتخابات وخصوصا الإسلامية منها تجاه حقوق غير المسلمين وطريقة التعامل معهم إضافة إلى نظرة الاحزاب القومية الكردية وطريقة تعاملها مع غير الاكراد وخصوصا الكلدان في منطقة كردستان العراق.

إن دراسة موضوعية لتجربة الانتخابات العراقية من وجهة النظر الكلدانية ستؤدي إلى الاستنتاجات التالية:

 إن عدم وجود تعاون وتنسيق سياسي وتنظيمي في داخل العراق  بين قطبي الحركة القومية الكلدانية من المجلس القومي الكلداني وحزب الاتحاد الديمقراطي الكلداني أدى إلى عدم تكوين قائمة كلدانية موحدة ذات برنامج سياسي واضح وجريء قادر على مخاطبة واقناع جماهيرنا الكلدانية بأهمية المشاركة في الانتخابات وخطورة المرحلة على مستقبل شعبنا وبالتالي توجه كل طرف إلى إقامة تحالفات جانبية مع قوى أخرى. وكانت نتيجة عدم التنسيق ذاك هو ما لاحظناه من عزوف الجماهير الكلدانية عن المشاركة في تلك الانتخابات واللا أبالية التي جابهت بها أول تجربة ديمقراطية حقيقية في العراق. هذا العزوف الذي تجسد في العدد القليل من الكلدان الذين توجهوا إلى صناديق الاقتراع في داخل العراق وخارجه.

إن المرحلة المقبلة تتطلب دراسة موسعة وارادة قومية مخلصة من اجل العمل على توحيد جهود جميع التنظيمات الكلدانية القومية في اطار خطاب سياسي موحد

  كما هو معلوم فإن قضية شعبنا الكلداني تعرضت إلى محاولات تشويه واغتصاب عديدة وخصوصا من التيارات الشوفينية في العهد البائد التي كانت ولا تزال تعمل على الغاء الوجود القومي الكلداني بمختلف الطرق وفي سبيل هدف واحد وهو إزالة وصهر شعبنا العريق في بوتقة الكيانات القومية الكبيرة. ويبدو أن ذلك لم يكن بالوحيد إذ تعرض شعبنا الكلداني في الفترة الأخيرة إلى  حملة تشويه لتاريخه وخصوصياته قامت بها التيارات السياسية الآشورية تحت مختلف الواجهات والاعذار. والواضح أن ما سهل تلك العملية هو عدم وجود قوة سياسية كلدانية قادرة على الوقوف في وجه جميع تلك المحاولات  وخصوصا الحملة السياسية والاعلامية للتيارات الآشورية التي هاجمت خصوصيات شعبنا وأنكرت وجوده وبكل علانية وبشكل واضح وصريح يساعدها في ذلك ضعف الوعي القومي الكلداني واستغلالها لمشاعره الدينية المسيحية ووجود بعض المضللين بين صفوفه.

إن الانتخابات العراقية  قد أثبتت ومن دون أدنى شك على فشل التيارات الآشورية وخصوصا تلك الحركات التي تحوي بين صفوفها أفرادا من الكلدان (بصفتهم المستقلة) على اقناع الجماهير  الكلدانية بادعاءاتها وبالتصويت لها.

إن الحركة القومية الكلدانية ستعمل وبكل قوة على جمع شمل شعبنا المسيحي في العراق لتكوين جبهة وطنية موسعة تستطيع أن تدافع عن حقوق جميع ابناء شعبنا من الكلدان والآشوريين والسريان وتضمن مشاركتهم الفعالة في صنع القرار السياسي في الدولة العراقية وتكوين منطقة إدارة ذاتية موحدة للقرى والمدن الكلدانية والسريانية والآشورية في مناطق سهل نينوى يجري تحديد ارتباطها الإداري بكردستان العراق أو ببغداد بعد استفتاء شعبي لابنائنا في تلك المناطق.

إن الانتخابات العراقية الأخيرة قد أثبتت محدودية الدور الذي قامت به الكنيسة الكلدانية في تحريك شعبنا الكلداني مقارنة مع الدور المؤثر للمرجعيات الدينية الإسلامية في تحريكها لجماهيرها لدعم هذا الموقف السياسي أو ذاك. فللكنيسة دور مهم و فعال في هذه المرحلة من تأريخنا، وعلى رجال الدين الموقرين أن يدركوا بأن الظروف قد تغيرت في العراق وكذلك المنطقة والعالم، وأن دعمهم للحركة القومية الكلدانية يعني بالتالي دعم لكنيستنا المقدسة. فوصول الكلدان إلى البرلمان و الوزارات ومصادر القرار السياسي في العراق سيعزز دور الكنيسة للقيام بواجباتها و نشاطاتها بشكل أوسع من أجل رسالتها المسيحية. وبالعكس فإن ضعف الحركة القومية الكلدانية وافتقار الكنيسة إلى مساندة من قوة سياسية فعالة في العراق الجديد، سيجعل منها هدفاً سهلاً لكل المتربصين بأمتنا الكلدانية و مؤسساتها.

 إن شعار عدم التدخل في السياسة يجب أن لا يعني السماح لرجل الدين المسلم بإصدار الفتوات الدينية  لدعم  الاجندة السياسية الإسلامية بينما رجل الدين المسيحي يحاول تطبيق فتوات روما الكاثوليكية لاتباعها الأوربيين وخصوصياتهم بالابتعاد عن السياسة. فالشرق الإسلامي  هو غير الغرب الديمقراطي. وفي الوقت نفسه أن دعم الحركات السياسية لا يعني أن يقوم رجل الدين بدور السياسي أو اتخاذ قرارات ذات ابعاد سياسية بدون التشاور مع ممثلي الاحزاب والحركات القومية الكلدانية.

لذا نجد ضرورة وجود تفاهم و تلاحم سياسيين بين منظماتنا وأحزابنا تدعمها الكنيسة الكلدانية كقوة وحافز روحي  ومعنوي من أجل صيانة و جودنا القومي ونيل حقوقنا المشروعة في الوطن.

وأخيرا فإن تحالف الحركة القومية الكلدانية مع الحركات الديمقراطية الكردية والعربية يُعَدّ ضرورة حتمية ومصيرية من اجل ضمان حقوق شعبنا في جميع انحاء العراق. إن وضعنا كأقلية عددية يجعل ذلك التحالف بمثابة القوة الواقية لابناء شعبنا ضد اعدائه من الشوفينيين والأصوليين. إن بناء العراق الجديد يتطلب من جميع الحركات الوطنية والديمقراطية العراقية حماية حرية الفرد وحقوقه السياسية  والاجتماعية والاقتصادية في الاختيار الحر وممارسة تلك الحقوق والواجبات من دون أي تمييز ديني أو قومي أو سياسي. وليس بشئ جديد أن يعاد على مسمع القوى الوطنية العراقية أن حركتنا القومية الكلدانية ستبقى وفية لتربة أرض الرافدين التي لم يعرف اجدادنا العظام وطنا وأرضا غيرها وإلى الأبد.

مكتب الاعلام المجلس القومي الكلداني

وكالة الانباء الكلدانية